د. عمر بدري: أستاذ الفلسفة الحديثة و المعاصرة بجامعة تونس المنار
يعود سؤال الحرب في كلّ مرّة ليستثيرَ التفكيرَ ويدفعه إلى استشكال أعمق لطبيعة هذه الظّاهرة التاريخية التي تكاد تكون ملازمة لسيرورة التاريخ الإنساني. غير أنّ الذي نلاحظه في هذا السّياق هو تعدّد المقاربات المنصبّة على مسألة الحرب إلى حدّ التشتّت الذي ينعكس بالضرورة على مسار الفهم فيعطّل رهان الإمساك بمعنى أصيل وجامع للحرب بوصفها مفهوما وبوصفها ظاهرة. فمثلا يضيع هذا المعنى الأصلاني للحرب بين ثنايا التحديدات الأنتروبولوجية المهيمنة التي تقف عند حدود ربط فكرة الحرب بمفهوم جزئي أو بسياق تاريخي أو ثقافي محدود أو بطور معيّن من أطوار تحوّل العلاقات البشرية (سياسة واقتصادا واجتماعا) مثل المصلحة أو الثروة أو العنف أو الاستعمار أو العولمة أو صدمة الحضارات.
في ضوء هذه الأفهام القائمة، نحن نريد التفكير في مفهوم الحرب من منظور ميتافيزيقي على قاعدة المعنى الذي يتيحه الاقتران الطّريف بين الحرب والكينونة، وهو اقترانٌ ينكشف معه معنى أنطولوجيّ أصلاني وأوّلي سابق على غيره من المعاني الأنتروبولوجية ذات الطّابع الفرعي والمشتقّ، ليكونَ شأن الحرب شأنَ كينونة تسبق الكينونات السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، وليكونَ أمر الحرب أمرا ميتافيزيقيّا يخصّ كينونة الذّات واختياراتها في العالم، قبل انبثاق الترجمات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية لفكرة الحرب.
وإنّنا نتوسّل – من أجل الإمساك بهذا الرّهان وإيضاح مفترضاته – بمفهوم هو في غاية الأهمّية والخطورة تسعفنا به نصوص مارتن هيدغر، هو مفهوم “تاريخ الكينونة” (l’histoire de l’être). إنّنا نقدّر أنّ لهذا المفهوم قيمة منهجية وإجرائية (مضافة إلى قيمته المضمونية وثقله الإشكالي الذي يخصّ الفكر الأنطولوجي لهيدغر) تسمح بتدبّر مغاير لفكرة الحرب قد يفتحنا على أسئلة أخرى ملحّة وقد يضطرّنا إلى معاودة امتحان نظرتنا السائدة حول المسألة.